سيد قطب
1871
في ظلال القرآن
ونبدأ بقصة نوح مع قومه . أول هذا القصص في السياق . وأوله في التاريخ : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ . إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ » . . إنها تكاد تكون الألفاظ ذاتها التي أرسل بها محمد - صلى اللّه عليه وسلم - والتي تضمنها الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . وهذه المقاربة في ألفاظ التعبير عن المعنى الرئيسي الواحد مقصودة في السياق لتقرير وحدة الرسالة ووحدة العقيدة ، حتى لتتوحد ألفاظ التعبير عن معانيها . وذلك مع تقدير أن المحكي هنا هو معنى ما قاله نوح - عليه السلام - لا ألفاظه . وهو الأرجح . فنحن لا ندري بأية لغة كان نوح يعبر . « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ : إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ » . . ولم يقل قال : إني . . لأن التعبير القرآني يحيي المشهد فكأنما هو واقعة حاضرة لا حكاية ماضية . وكأنما هو يقول لهم الآن ونحن نشهد ونسمع . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أنه يلخص وظيفة الرسالة كلها ويترجمها إلى حقيقة واحدة : « إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ » . . وهو أقوى في تحديد هدف الرسالة وإبرازه في وجدان السامعين . ومرة أخرى يبلور مضمون الرسالة في حقيقة جديدة : « أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ » . . فهذا هو قوام الرسالة ، وقوام الإنذار . ولما ذا ؟ « إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ » . . فيتم الإبلاغ ويتم الإنذار ، في هذه الكلمات القصار . . واليوم ليس أليما . إنما هو مؤلم . والأليم - اسم مفعول أصله : مألوم ! - إنما هم المألومون في ذلك اليوم . ولكن التعبير يختار هذه الصيغة هنا ، لتصوير اليوم ذاته بأنه محمل بالألم ، شاعر به ، فما بال من فيه ؟ « فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ، وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ، وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ، بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ » . . ذلك رد العلية المتكبرين . . الملأ . . كبار القوم المتصدرين . . وهو يكاد يكون رد الملأ من قريش : ما نراك إلا بشرا مثلنا ، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا - بادي الرأي - وما نرى لكم علينا من فضل ، بل نظنكم كاذبين . الشبهات ذاتها ، والاتهامات ذاتها ، والكبرياء ذاتها ، والاستقبال الغبي الجاهل المتعافي ! إنها الشبهة التي وقرت في نفوس جهال البشر : أن الجنس البشري أصغر من حمل رسالة اللّه ؛ فإن تكن رسالة فليحملها ملك أو مخلوق آخر . وهي شبهة جاهلة ، مصدرها عدم الثقة بهذا المخلوق الذي استخلفه اللّه في أرضه ، وهي وظيفة خطيرة ضخمة ، لا بد أن يكون الخالق قد أودع في هذا الإنسان ما يكافئها من الاستعداد والطاقة ، وأودع في جنسه القدرة على أن يكون من بينه أفراد مهيئون لحمل الرسالة ، باختيار اللّه لهم ، وهو أعلم بما أودع في كيانهم الخاص من خصائص هذا الجنس في عمومه .